موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
ترك الأخذ بالأسباب بحجة التوكل على الله
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الصوفية يقول بترك الأخذ بالأسباب، بحجة التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره، فهل هذا الكلام صحيح، وما هو المذهب الصحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الأمر مما عمت به البلوى، واشتدت به المحنة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة.
فأمة الإسلام مرت بأزمات كثيرة، وفترات عسيرة، وكانت تخرج منها بالتفكير المستنير، والنظرة الثاقبة، والتصور الصحيح، فتبحث في الأسباب والمسببات، وتنظر في العواقب والمقدمات، ثم بعد ذلك تأخذ بالأسباب، وتلج البيوت من الأبواب، فتجتاز - بأمر الله - تلك الأزمات، وتخرج من تلك النكبات، فتعود لها عزتها، ويرجع لها سالف مجدها، هكذا كانت أمة الإسلام في عصورها الزاهية.
أما في هذه العصور المتأخرة التي غشت فيها غواشي الجهل، وعصفت فيها أعاصير الإلحاد والتغريب، وشاعت فيها البدع والضلالات، فقد اختلط هذا الأمر على كثير من المسلمين، فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأة للإخلاد في الأرض، ومسوغًا لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور، وسبل العزة والفلاح، فآثروا ركوب السهل الوطيء الوبيء على ركوب الصعب الأشق المريء.
فكان المخرج لهم أن يتكل المرء على القدر، وأن الله هو الفعال لما يريد، وأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فلتمض إرادته، ولتكن مشيئئته، وليجر قضاءه وقدره، فلا حول لنا ولا طول، ولا يد لنا في ذلك كله.
هكذا بكل يسر وسهولة، استسلام للأقدار دون منازعة لها في فعل الأسباب المشروعة والمباحة.
فلا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا جهاد لأعداء الله، ولا حرص على نشر العلم ورفع الجهل، ولا محاربة للأفكار الهدامة والمبادئ المضللة، كل ذلك بحجة أن الله شاء ذلك!
والحقيقة أن هذه مصيبة كبرى، وضلالة عظمى، أدت بالأمة إلى هوة سحيقة من التخلف والانحطاط، وسببت لها تسلط الأعداء، وجرت عليها ويلات إثر ويلات.
وإلا فالأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إنه من تمامه، فالله ﷿ أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فقد أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا، وأراد منا قتالهم وإن كان يعلم أننا سُنهزم أمامهم، وأراد منا أن نكون أمة واحدة وإن كان يعلم أننا سنتفرق ونختلف، وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا وإن كان يعلم أن بأسنا سيكون بيننا شديدًا وهكذا ...
فالخلط بين ما أريد بنا وما أريد منا هو الذي يُلبس الأمر، ويوقع في المحذور.
صحيح أن الله ﷿ هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي له مقاليد السموات والأرض، ولكنه تبارك وتعلى جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها، وقوانين ينتظم بها، وإن كان هو ﷿ قادرًاَ على خرق هذه النواميس وتلك القوانين، وإن كان أيضًا لا يخرقها لكل أحد.
فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين - لا يعني أنه سينصر المؤمنين وهم قاعدون عن الأخذ بالأسباب، لأن النصر بدون الأخذ بالأسباب مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل ولأنه منافٍ لحكمة الله، وقدرته ﷿ متعلقة بحكمته.
فكون الله قادرًا على الشيء لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه، فقدرة الله صفة خاصة به، وقدرة العبد صفة خاصة به - فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب.
وهذا ما لاحظه وألمح إليه أحد المستشرقين الألمان فقال وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم المتأخرة: (طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله، والرضا بقضائه وقدره، والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار)
وكان لهذه الطاعة أُثران مختلفان؛ ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دورًا كبيرًا في الحروب، وحققت نصرًا متواصلًا، لأنها دفعت في الجندي روح الفداء.
وفي العصور المتأخرة كانت سببًا في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الإنحدار، وعزله وطواه عن تيار الأحداث العالمية. العلمانية للشيخ سفر الحوالي نقلًا عن باول شمتز في كتابه الإسلام قوة الغد العالمية ص ٨٧
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٤٤.
[السُّؤَالُ]
ـ[بعض الصوفية يقول بترك الأخذ بالأسباب، بحجة التوكل على الله والتسليم لقضائه وقدره، فهل هذا الكلام صحيح، وما هو المذهب الصحيح؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
هذا الأمر مما عمت به البلوى، واشتدت به المحنة، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الأمة.
فأمة الإسلام مرت بأزمات كثيرة، وفترات عسيرة، وكانت تخرج منها بالتفكير المستنير، والنظرة الثاقبة، والتصور الصحيح، فتبحث في الأسباب والمسببات، وتنظر في العواقب والمقدمات، ثم بعد ذلك تأخذ بالأسباب، وتلج البيوت من الأبواب، فتجتاز - بأمر الله - تلك الأزمات، وتخرج من تلك النكبات، فتعود لها عزتها، ويرجع لها سالف مجدها، هكذا كانت أمة الإسلام في عصورها الزاهية.
أما في هذه العصور المتأخرة التي غشت فيها غواشي الجهل، وعصفت فيها أعاصير الإلحاد والتغريب، وشاعت فيها البدع والضلالات، فقد اختلط هذا الأمر على كثير من المسلمين، فجعلوا من الإيمان بالقضاء والقدر تكأة للإخلاد في الأرض، ومسوغًا لترك الحزم والجد والتفكير في معالي الأمور، وسبل العزة والفلاح، فآثروا ركوب السهل الوطيء الوبيء على ركوب الصعب الأشق المريء.
فكان المخرج لهم أن يتكل المرء على القدر، وأن الله هو الفعال لما يريد، وأن ما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن، فلتمض إرادته، ولتكن مشيئئته، وليجر قضاءه وقدره، فلا حول لنا ولا طول، ولا يد لنا في ذلك كله.
هكذا بكل يسر وسهولة، استسلام للأقدار دون منازعة لها في فعل الأسباب المشروعة والمباحة.
فلا أمر بالمعروف، ولا نهي عن المنكر، ولا جهاد لأعداء الله، ولا حرص على نشر العلم ورفع الجهل، ولا محاربة للأفكار الهدامة والمبادئ المضللة، كل ذلك بحجة أن الله شاء ذلك!
والحقيقة أن هذه مصيبة كبرى، وضلالة عظمى، أدت بالأمة إلى هوة سحيقة من التخلف والانحطاط، وسببت لها تسلط الأعداء، وجرت عليها ويلات إثر ويلات.
وإلا فالأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل إنه من تمامه، فالله ﷿ أراد بنا أشياء، وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا، وما أراده منا أمرنا بالقيام به، فقد أراد منا حمل الدعوة إلى الكفار وإن كان يعلم أنهم لن يؤمنوا، وأراد منا قتالهم وإن كان يعلم أننا سُنهزم أمامهم، وأراد منا أن نكون أمة واحدة وإن كان يعلم أننا سنتفرق ونختلف، وأراد منا أن نكون أشداء على الكفار رحماء بيننا وإن كان يعلم أن بأسنا سيكون بيننا شديدًا وهكذا ...
فالخلط بين ما أريد بنا وما أريد منا هو الذي يُلبس الأمر، ويوقع في المحذور.
صحيح أن الله ﷿ هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، الذي بيده ملكوت كل شيء، الذي له مقاليد السموات والأرض، ولكنه تبارك وتعلى جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها، وقوانين ينتظم بها، وإن كان هو ﷿ قادرًاَ على خرق هذه النواميس وتلك القوانين، وإن كان أيضًا لا يخرقها لكل أحد.
فالإيمان بأن الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين - لا يعني أنه سينصر المؤمنين وهم قاعدون عن الأخذ بالأسباب، لأن النصر بدون الأخذ بالأسباب مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل ولأنه منافٍ لحكمة الله، وقدرته ﷿ متعلقة بحكمته.
فكون الله قادرًا على الشيء لا يعني أن الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه، فقدرة الله صفة خاصة به، وقدرة العبد صفة خاصة به - فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها وقدرة العبد وقيامه بما أمره الله به هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب.
وهذا ما لاحظه وألمح إليه أحد المستشرقين الألمان فقال وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصورهم المتأخرة: (طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله، والرضا بقضائه وقدره، والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار)
وكان لهذه الطاعة أُثران مختلفان؛ ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دورًا كبيرًا في الحروب، وحققت نصرًا متواصلًا، لأنها دفعت في الجندي روح الفداء.
وفي العصور المتأخرة كانت سببًا في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي، فقذف به إلى الإنحدار، وعزله وطواه عن تيار الأحداث العالمية. العلمانية للشيخ سفر الحوالي نقلًا عن باول شمتز في كتابه الإسلام قوة الغد العالمية ص ٨٧
[الْمَصْدَرُ]
من كتاب الإيمان بالقضاء والقدر لـ محمد بن إبراهيم الحمد ص ١٤٤.
511