موقع الإسلام سؤال وجواب - الموقع بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد - حفظه الله -
تفصيل القول في حديث " أعضوه بهن أبيه " والرد على من قال إنه من الفحش
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني ملحد: كيف يتكلم الرسول ﵇ بالألفاظ البذيئة!! وهو نبي، مثل: (أعضوه بهن أبيه)، ويقر قول أبي بكر: " امصص بظر اللات "، مع أنه ﵇: نهى عن التفحش؟ . فما الجواب المفصل بارك الله فيكم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
لا ينبغي للمسلم أن يلتفت لطعن الطاعنين بنبينا محمد ﷺ، فقد زكَّاه ربُّه تعالى في خلُقه فقال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/ ٤، فإذا كانت هذه تزكية رب السموات والأرض له ﷺ: فكل طعنٍ فيه لا قيمة له، ولسنا نتبع نبيًّا لا نعرف دينه وخلُقه، بل نحن على علم بأدق تفاصيل حياته، وقد كانت منزلته عالية حتى قبل البعثة، وشهد له الجاهليون بكمال خلقه، ولم يجدوا مجالًا للطعن فيها، والعجب هو عندما يأتي ملحد قد سبَّ رب العالمين أعظم السب فنفى وجوده، يأتي ليطعن في أخلاق النبي ﷺ، ويتهمه بالفحش والبذاءة، ويعمى عن كمال خلقه، وينسى سيرته وهديه، وما أحقه بقول القائل:
وَهَبني قُلتُ هَذا الصُبحُ لَيلٌ أَيَعمى العالَمونَ عَنِ الضِياءِ
ثانيًا:
قد كان نبينا محمد ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع بعثه بأعظم رسالة للعالَمين، وفيها أحكام لأدق تفاصيل الحياة، إلا أنه في الأبواب التي لها تعلق بالعورة لا نراه إلا عفَّ اللسان، يستعمل أرقى عبارة، ويبتعد عن الفحش في الكلام، ويوصل المقصود بما تحتويه لغة العرب الواسعة، وذلك في أبواب متعددة، مثل: قضاء الحاجة، والاغتسال، والنكاح، وغير ذلك، وقد تنوعت عباراته حتى إن الرجل ليستطيع التحدث بها أمام النساء، ولعلَّنا نكتفي بمثال واحدٍ يؤكد ما سبق ذِكره، وإلا فالأمثلة كثيرة جدًّا:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا)، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِهَا) قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي)، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
رواه البخاري (٣٠٨) ومسلم (٣٣٢) .
ومعنى (فِرصة من مِسك) أي: قطعة صوف أو قطن عليها ذلك الطيب المعروف.
وفي رواية للبخاري (٣٠٩):
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا) ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: (تَوَضَّئِي بِهَا) فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ.
ثالثًا:
بخصوص الجواب عن الحديث المذكور في السؤال: فإننا ننبِّه على أمرين قبل ذِكر تفصيل الجواب:
الأول: أن هذا اللفظ الوارد في الحديث لم يستعمله النبي ﷺ في حياته، وهو لم يكن لابتداء الكلام به، بل هو عقوبة لقائله، أي: أنه شُرع ردًّا على مرتكبٍ لمحرَّم وهو التعصب الجاهلي.
الثاني: أن ما يوجد في شرع الله تعالى من عقوبات وحدود إنما يراد منها عدم وقوع المعاصي والآثام التي تُفسد على الناس حياتهم، فمن رأى قطع اليد عقوبةً شديدة فليعلم أنه بها يحفظ ماله من أهل السرقة، ومن استبشع الرجم للزاني المحصن فليعلم أنه به يأمن من تعدِّي أهل الفجور على عرضه، وهكذا بقية الحدود والعقوبات، ومثله يقال في الحد من التعصب الجاهلي للقبيلة، والآباء، والأجداد، فجاء تشريع هذه الجملة التي تقال لمن رفع راية العصبية الجاهلية؛ لقطعها من الوجود، ولكف الألسنة عن قولها، وفي كل ذلك ينبغي النظر إلى ما تحققه تلك العقوبات والروادع من طهارة في الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وهذا هو المهم لمن كان عاقلًا، يسعى لخلو المجتمعات من الشر وأهله.
رابعًا:
أما الجواب التفصيلي عن الحديث الوارد في السؤال: فنحن نذكر ألفاظ الحديث، ثم نعقبها بشروح أهل العلم له.
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ؛ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: (إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا) .
رواه أحمد (٣٥ / ١٥٧) وحسَّنه محققو المسند.
عَنْ أُبَيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى، فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ، فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا؟ قَالَ: إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ.
رواه أحمد (٣٥ / ١٤٢) وحسَّنه محققو المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
قال أبو جعفر الطحاوي – ﵀ -:
ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﷺ فيمن سُمِع يدعو بدعاء الجاهلية ما أمر به فيه.
فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله ﷺ وأنتم تروون عنه: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار)؟ .
قال: ففي هذا الحديث أن البذاء في النار، ومعنى البذاء في النار هو: أهل البذاء في النار؛ لأن البذاء لا يقوم بنفسه، وإنما المراد بذِكره من هو فيه.
فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه:
أن " البذاء " المراد في هذا الحديث خلاف البذاء المراد في الحديث الأول، وهو البذاء على مَن لا يستحق أن يُبذأ عليه، فمن كان منه ذلك البذاء: فهو من أهل الوعيد الذي في الحديث المذكور ذلك البذاء فيه، وأما المذكور في الحديث الأول: فإنما هو عقوبة لمن كانت منه دعوى الجاهلية؛ لأنه يدعو برجل من أهل النار، وهو كما كانوا يقولون: " يا لبكر، يا لتميم، يا لهمدان "، فمن فمن دعا كذلك من هؤلاء الجاهلية الذين من أهل النار: كان مستحقًّا للعقوبة، وجعل النبي ﷺ عقوبته أن يقابل بما في الحديث الثاني؛ ليكون ذلك استخفافًا به، وبالذي دعا إليه، ولينتهي الناس عن ذلك في المستأنف، فلا يعودون إليه.
وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ، فعن عُتيّ بن ضمرة قال: شهدتُه يومًا - يعني: أبي بن كعب، وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضّه بكذا أبيه، ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه، فقال: لا تلوموني فإن نبي الله ﷺ قال لنا: (من رأيتموه تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه، ولا تكنوا) .
ومعناه: معنى الحديث الذي قبله؛ لأن معنى (من تعزى بعزاء الجاهلية): إنما هو مِن عزاء نفسه إلى أهل الجاهلية، أي: إضافتها إليهم.
" بيان مشكل الآثار " (٨ / ٥١ – ٥٤) باختصار وتهذيب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -:
ولهذا قال من قال من العلماء إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة، والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه، كما في حديث أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: (من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا) رواه أحمد، فسمع أبي بن كعب رجلًا يقول: يا فلان، فقال: اعضض أير أبيك، فقيل له في ذلك فقال: بهذا أمرنا رسول الله ﷺ.
" منهاج السنة النبوية " (٨ / ٤٠٨، ٤٠٩) .
وقال ابن القيم – ﵀ – عند التعليق على حديث أبي داود: أن رجلًا عَطَسَ عند النبى ﷺ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ! فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: (وَعَلَيْكَ السَّلامُ وعَلَى أُمِّكَ) -:
ونظيرُ ذِكر الأُم هاهنا: ذكرُ " هَنِ " الأب لمن تعزَّى بعزاءِ الجاهلية، فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وكَانَ ذِكرُ " هَنِ " الأب هاهنا أحسن تذكيرًا لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذى خَرَجَ منه، وهو " هَنُ " أبيه، فَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأُم هاهنا أحسنُ تذكيرًا له، بأنه باقٍ على أُمِّيته، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٢ / ٤٣٨) .
خامسًا:
قد عمل كبار الصحابة بهذه الوصية، ورأوا ذلك عقوبة وقعت على مستحقها، ولم يروا ذلك مستقبحًا في شيء؟! وقد سبق ذِكر قول أبي بن كعب راوي الحديث لها، وقد قالها – أيضًا – أبو بكر الصدِّيق ﵁، فقد قال عروة بن مسعود لما جاء مفاوضًا عن المشركين في " الحديبية " للنبي ﷺ: " فَإِنِّى وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّى لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ "، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: " امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ "، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ.
رواه البخاري (٢٥٨١) .
قال ابن حجر – ﵀ -:
و" البَظْر ": بفتح الموحدة، وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة.
و" اللات ": اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمَله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.
وفيه: جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم " إن اللات بنت الله! " تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، بأنها لو كانت بنتًا: لكان لها ما يكون للإناث.
" فتح الباري " (٥ / ٣٤٠) .
وقال ابن القيم – ﵀ -:
وفى قول الصِّدِّيق لعروة: " امصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ ": دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ﷺ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: " اعضُضْ أيْرَ أبيك "، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٣٠٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[السُّؤَالُ]
ـ[سألني ملحد: كيف يتكلم الرسول ﵇ بالألفاظ البذيئة!! وهو نبي، مثل: (أعضوه بهن أبيه)، ويقر قول أبي بكر: " امصص بظر اللات "، مع أنه ﵇: نهى عن التفحش؟ . فما الجواب المفصل بارك الله فيكم؟ .]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
أولًا:
لا ينبغي للمسلم أن يلتفت لطعن الطاعنين بنبينا محمد ﷺ، فقد زكَّاه ربُّه تعالى في خلُقه فقال (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) القلم/ ٤، فإذا كانت هذه تزكية رب السموات والأرض له ﷺ: فكل طعنٍ فيه لا قيمة له، ولسنا نتبع نبيًّا لا نعرف دينه وخلُقه، بل نحن على علم بأدق تفاصيل حياته، وقد كانت منزلته عالية حتى قبل البعثة، وشهد له الجاهليون بكمال خلقه، ولم يجدوا مجالًا للطعن فيها، والعجب هو عندما يأتي ملحد قد سبَّ رب العالمين أعظم السب فنفى وجوده، يأتي ليطعن في أخلاق النبي ﷺ، ويتهمه بالفحش والبذاءة، ويعمى عن كمال خلقه، وينسى سيرته وهديه، وما أحقه بقول القائل:
وَهَبني قُلتُ هَذا الصُبحُ لَيلٌ أَيَعمى العالَمونَ عَنِ الضِياءِ
ثانيًا:
قد كان نبينا محمد ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع بعثه بأعظم رسالة للعالَمين، وفيها أحكام لأدق تفاصيل الحياة، إلا أنه في الأبواب التي لها تعلق بالعورة لا نراه إلا عفَّ اللسان، يستعمل أرقى عبارة، ويبتعد عن الفحش في الكلام، ويوصل المقصود بما تحتويه لغة العرب الواسعة، وذلك في أبواب متعددة، مثل: قضاء الحاجة، والاغتسال، والنكاح، وغير ذلك، وقد تنوعت عباراته حتى إن الرجل ليستطيع التحدث بها أمام النساء، ولعلَّنا نكتفي بمثال واحدٍ يؤكد ما سبق ذِكره، وإلا فالأمثلة كثيرة جدًّا:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنْ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ، قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا)، قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: (تَطَهَّرِي بِهَا) قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: (سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِي)، فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ.
رواه البخاري (٣٠٨) ومسلم (٣٣٢) .
ومعنى (فِرصة من مِسك) أي: قطعة صوف أو قطن عليها ذلك الطيب المعروف.
وفي رواية للبخاري (٣٠٩):
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنْ الْمَحِيضِ؟ قَالَ: (خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي ثَلَاثًا) ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: (تَوَضَّئِي بِهَا) فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ.
ثالثًا:
بخصوص الجواب عن الحديث المذكور في السؤال: فإننا ننبِّه على أمرين قبل ذِكر تفصيل الجواب:
الأول: أن هذا اللفظ الوارد في الحديث لم يستعمله النبي ﷺ في حياته، وهو لم يكن لابتداء الكلام به، بل هو عقوبة لقائله، أي: أنه شُرع ردًّا على مرتكبٍ لمحرَّم وهو التعصب الجاهلي.
الثاني: أن ما يوجد في شرع الله تعالى من عقوبات وحدود إنما يراد منها عدم وقوع المعاصي والآثام التي تُفسد على الناس حياتهم، فمن رأى قطع اليد عقوبةً شديدة فليعلم أنه بها يحفظ ماله من أهل السرقة، ومن استبشع الرجم للزاني المحصن فليعلم أنه به يأمن من تعدِّي أهل الفجور على عرضه، وهكذا بقية الحدود والعقوبات، ومثله يقال في الحد من التعصب الجاهلي للقبيلة، والآباء، والأجداد، فجاء تشريع هذه الجملة التي تقال لمن رفع راية العصبية الجاهلية؛ لقطعها من الوجود، ولكف الألسنة عن قولها، وفي كل ذلك ينبغي النظر إلى ما تحققه تلك العقوبات والروادع من طهارة في الأقوال، والأفعال، والأخلاق، وهذا هو المهم لمن كان عاقلًا، يسعى لخلو المجتمعات من الشر وأهله.
رابعًا:
أما الجواب التفصيلي عن الحديث الوارد في السؤال: فنحن نذكر ألفاظ الحديث، ثم نعقبها بشروح أهل العلم له.
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعَضَّهُ وَلَمْ يُكَنِّهِ، فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْقَوْمِ: إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي فِي أَنْفُسِكُمْ؛ إِنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ إِلَّا أَنْ أَقُولَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا: (إِذَا سَمِعْتُمْ مَنْ يَعْتَزِي بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلَا تَكْنُوا) .
رواه أحمد (٣٥ / ١٥٧) وحسَّنه محققو المسند.
عَنْ أُبَيٍّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا اعْتَزَى، فَأَعَضَّهُ أُبَيٌّ بِهَنِ أَبِيهِ، فَقَالُوا: مَا كُنْتَ فَحَّاشًا؟ قَالَ: إِنَّا أُمِرْنَا بِذَلِكَ.
رواه أحمد (٣٥ / ١٤٢) وحسَّنه محققو المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
قال أبو جعفر الطحاوي – ﵀ -:
ففي هذا الحديث أمر رسول الله ﷺ فيمن سُمِع يدعو بدعاء الجاهلية ما أمر به فيه.
فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله ﷺ وأنتم تروون عنه: (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء من النار)؟ .
قال: ففي هذا الحديث أن البذاء في النار، ومعنى البذاء في النار هو: أهل البذاء في النار؛ لأن البذاء لا يقوم بنفسه، وإنما المراد بذِكره من هو فيه.
فكان جوابنا في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه:
أن " البذاء " المراد في هذا الحديث خلاف البذاء المراد في الحديث الأول، وهو البذاء على مَن لا يستحق أن يُبذأ عليه، فمن كان منه ذلك البذاء: فهو من أهل الوعيد الذي في الحديث المذكور ذلك البذاء فيه، وأما المذكور في الحديث الأول: فإنما هو عقوبة لمن كانت منه دعوى الجاهلية؛ لأنه يدعو برجل من أهل النار، وهو كما كانوا يقولون: " يا لبكر، يا لتميم، يا لهمدان "، فمن فمن دعا كذلك من هؤلاء الجاهلية الذين من أهل النار: كان مستحقًّا للعقوبة، وجعل النبي ﷺ عقوبته أن يقابل بما في الحديث الثاني؛ ليكون ذلك استخفافًا به، وبالذي دعا إليه، ولينتهي الناس عن ذلك في المستأنف، فلا يعودون إليه.
وقد روي هذا الحديث بغير هذا اللفظ، فعن عُتيّ بن ضمرة قال: شهدتُه يومًا - يعني: أبي بن كعب، وإذا رجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضّه بكذا أبيه، ولم يكنه، فكأن القوم استنكروا ذلك منه، فقال: لا تلوموني فإن نبي الله ﷺ قال لنا: (من رأيتموه تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه، ولا تكنوا) .
ومعناه: معنى الحديث الذي قبله؛ لأن معنى (من تعزى بعزاء الجاهلية): إنما هو مِن عزاء نفسه إلى أهل الجاهلية، أي: إضافتها إليهم.
" بيان مشكل الآثار " (٨ / ٥١ – ٥٤) باختصار وتهذيب.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀ -:
ولهذا قال من قال من العلماء إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة، والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه، كما في حديث أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: (من سمعتموه يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه هن أبيه ولا تكنوا) رواه أحمد، فسمع أبي بن كعب رجلًا يقول: يا فلان، فقال: اعضض أير أبيك، فقيل له في ذلك فقال: بهذا أمرنا رسول الله ﷺ.
" منهاج السنة النبوية " (٨ / ٤٠٨، ٤٠٩) .
وقال ابن القيم – ﵀ – عند التعليق على حديث أبي داود: أن رجلًا عَطَسَ عند النبى ﷺ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ! فَقَالَ رسولُ الله ﷺ: (وَعَلَيْكَ السَّلامُ وعَلَى أُمِّكَ) -:
ونظيرُ ذِكر الأُم هاهنا: ذكرُ " هَنِ " الأب لمن تعزَّى بعزاءِ الجاهلية، فيقال له: اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ، وكَانَ ذِكرُ " هَنِ " الأب هاهنا أحسن تذكيرًا لهذا المتكبِّرِ بدعوى الجاهلية بالعُضو الذى خَرَجَ منه، وهو " هَنُ " أبيه، فَلاَ يَنْبَغِى لَهُ أن يتعدَّى طَوْرَهُ، كما أن ذِكرَ الأُم هاهنا أحسنُ تذكيرًا له، بأنه باقٍ على أُمِّيته، والله أعلم بمراد رسوله ﷺ.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٢ / ٤٣٨) .
خامسًا:
قد عمل كبار الصحابة بهذه الوصية، ورأوا ذلك عقوبة وقعت على مستحقها، ولم يروا ذلك مستقبحًا في شيء؟! وقد سبق ذِكر قول أبي بن كعب راوي الحديث لها، وقد قالها – أيضًا – أبو بكر الصدِّيق ﵁، فقد قال عروة بن مسعود لما جاء مفاوضًا عن المشركين في " الحديبية " للنبي ﷺ: " فَإِنِّى وَاللَّهِ لأَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّى لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ "، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: " امْصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ "، فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ قَالُوا: أَبُو بَكْرٍ.
رواه البخاري (٢٥٨١) .
قال ابن حجر – ﵀ -:
و" البَظْر ": بفتح الموحدة، وسكون المعجمة: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة.
و" اللات ": اسم أحد الأصنام التي كانت قريش وثقيف يعبدونها، وكانت عادة العرب الشتم بذلك، لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة من كان يعبد مقام أمه، وحمَله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار.
وفيه: جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك، وقال ابن المنيِّر: في قول أبي بكر تخسيس للعدو، وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم " إن اللات بنت الله! " تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، بأنها لو كانت بنتًا: لكان لها ما يكون للإناث.
" فتح الباري " (٥ / ٣٤٠) .
وقال ابن القيم – ﵀ -:
وفى قول الصِّدِّيق لعروة: " امصُصْ بَظْرَ اللاَّتِ ": دليلٌ على جواز التصريح باسم العَوْرة، إذا كان فيه مصلحة تقتضيها تلك الحال، كما أذن النبي ﷺ أن يُصرَّح لمن ادَّعى دعوى الجاهلية بِهَنِ أبيه، ويقال له: " اعضُضْ أيْرَ أبيك "، ولا يُكْنَى له، فلكل مقام مقال.
" زاد المعاد في هدي خير العباد " (٣ / ٣٠٥) .
والله أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
337